يأتي الاحتفال باليوم العالمي للعمال الذي يصادف الأول من مايو من كل عام تأكيدًا لمكانة العامل، وتقديرًا لدوره، وتعزيزًا لمسيرة موكب الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته، الذي ما زال منذ فجر الثورة الصناعية رغم كل التحديات والتضحيات، يشق طريقه بحزم وإرادة وثبات.
وقد شاءت الأقدار أن نحتفي بهذه المناسبة العمالية – كما احتفينا بها العام الماضي – في ظل التداعيات الصعبة الناجمة عن جائحة كورونا كوفيد 19 التي دخلت عامها الثاني بموجة جديدة، لعلها أشد خطرًا من سابقتها، والتي انعكست آثارها على الناس عمومًا وعلى العاملين في القطاع الخاص خصوصًا؛ فضلاً عن تداعيات الانخفاض المستمر لأسعار النفط العالمية الذي سبق جائحة كورونا بسنوات عديدة، وخلّف آثارًا عديدة على العمال.
إننا إذ نشارك العمال في دول العالم أجمع الاحتفال بهذا اليوم العالمي، ونستذكر التضحيات الجسام التي قدمها العمال طوال العقود الماضية والتي أثمرت عن جعل الأول من مايو يومًا عالميًّا للعمال؛ فإننا نرى اليوم لأشبه بالبراحة، وإن الظروف التي يمر بها العمال في هذا اليوم من تسريح من العمل وحرمان من الأجر وما ينجم عنها من مشكلات اجتماعية واقتصادية على العمال ليست بأهون من تلك الظروف التي صاحبت الذكرى الأولى له.
لقد أظهرت لنا هذه الجائحة مدى أهمية والحاجة إلى خلق اقتصاد متين يتصف بالمرونة اللازمة لمواجهة الانعكاسات الاقتصادية على القطاع الخاص والعاملين به، وذلك من خلال استحداث البدائل والوسائل اللازمة لمواجهة المتغيرات والتأقلم معها بما يضمن استدامة المشاريع الاقتصادية والعاملين بها.
كما أظهرت هذه الجائحة مدى الحاجة لتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية لمواجهة مثل هذه الظروف وتفعيل الرقابة على تنفيذها، حيث نلاحظ مدى الاهتمام الدؤوب للحكومة الرشيدة بتحسين الجانب الاقتصادي من خلال خطة التوازن المالي بهدف الوصول بالوضع المالي لمستويات الاستدامة المالية والإجراءات التي اتخذت لتحقيق أهداف تلك الخطة، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات مقابلة لتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية والتخفيف من حدة الآثار الاقتصادية على الوضع المعيشي للأفراد لا سيّما فئة العمال الذين تأثروا بشكل مباشر من آثار وتداعيات الجائحة.
ولأن الشدائد والمحن هي من تظهر المعادن النفسية للأشخاص أفرادًا ومؤسسات، فلقد أظهرت هذه الجائحة معادن التنظيمات النقابية ودورها الإيجابي المنوط بها، فعلى الرغم من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها جائحة كورونا وما زالت على العاملين في القطاع الخاص، إلا أنها كانت سببًا مهمًا في بروز دور التنظيمات النقابية بمختلف مستوياتها في التصدي لهذه الآثار والتخفيف من وطأتها على العاملين، فلقد قامت الكثير من النقابات العمالية والاتحادات العمالية بدورها ومسؤوليتها القانونية في رعاية مصالح العاملين وحفظ حقوقهم وتمثيلهم في جميع الأمور المتعلقة بشؤونهم، جنَّبت العاملين بتلك المنشآت قرارات خطيرة منها إنهاء الخدمة وتخفيض الأجور بنسب عالية دون تفاوض، إلى جانب دور الاتحاد العام لعمال السلطنة بتمثيل جميع النقابات والاتحادات العمالية والعمال في المنشآت التي لا توجد بها نقابات عمالية في فريق العمل المشكل للنظر في حالات إنهاء الخدمة والبلاغات عن المخالفات المرصودة على المنشآت.
ولقد كان للاتحاد العام لعمال السلطنة أيضًا خلال الفترة الماضية مساهمة في إقرار جملة من التشريعات والمبادرات التي من شأنها الأساسي جعل سوق العمل في القطاع الخاص بالسلطنة أكثر جاذبية، كان من أهمها إلغاء شرط توفير شهادة عدم الممانعة الذي سيساهم بلا شك في الحد من الاتجار البشري، وإتاحة مجال أكبر أمام العامل للحصول على فرص وظيفية أفضل. وفي مجال الحماية الاجتماعية، كان للتوجيه السامي من لدن جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – بإنشاء صندوق الأمان الوظيفي، وإعداد نظامه، وآلية عمله، الأثر الكبير في تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، وقد كان للاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان مع بقية أطراف الإنتاج دور بارز في إقراره، والذي يرسخ بشكل جلي مبدأ التكاتف الاجتماعي، ويعزز روح الطمأنينة والأمان لدى العامل بالقطاع الخاص إزاء أي خطر قد يهدد استقراره الوظيفي مستقبلا، والذي يتوقع أن يكون له دور مهم خاصة خلال هذه الفترة الحرجة التي قامت فيها عدد من منشآت القطاع الخاص باتخاذ قرار التسريح الجماعي لعمالها؛ تحت ذريعة التداعيات الاقتصادية الناجمة من استمرار جائحة كورونا. ونأمل أن يكون للنظام أدوارًا أكبر في المرحلة المقبلة، كأن يساهم في تغطية قيمة خفض أجور العمال التي جرت بالتفاوض بين العمال وأصحاب العمل تطبيقًا لقرارات الحكومة، لا سيّما وأن أصحاب العمل يساهمون ماليًّا في النظام، فمن المنطقي أن يرى صاحب العمل في المنشآت المتأثرة ثمرة مساهمته في هذا النظام من خلال تغطيته لفارق الاقتطاع المتفق عليه في الأجور، ومن ثم يحصل العامل على أجره كاملًا خلال فترة خفض الأجور المتفق عليه بين العامل وصاحب العمل، وفي المقابل تقل المصروفات على صاحب العمل في منشأته المتأثرة بالجائحة.
وفي مجال تحسين إجراءات التقاضي في القضايا العمالية، كان لصدور قانون تبسيط إجراءات التقاضي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 125/2020 في شأن بعض المنازعات من بينها منازعات العمل الأثر البارز في تعزيز الفاعلية والكفاءة في الفصل في المنازعات العمالية، والذي نأمل من خلاله في معالجة العديد من الإشكالات التي كانت موجودة سابقًا.
وبالرغم من جملة التحسينات التي شهدتها المرحلة الماضية، إلا أن متغيرات وأنماط العمل والتحولات الاقتصادية في القطاع الخاص بالسلطنة تفرض عددًا من التحديات والتي تعتبر أولويات عمل الاتحاد خلال المرحلة المقبلة بغية المساهمة بالتعاون مع أطراف الإنتاج الأخرى والجهات ذات العلاقة لتنظيم علاقات العمل، حيث ينضوي تحت تلك الأولويات متابعة اعتماد قانون العمل الجديد الذي ساهم الاتحاد في إعداد وصياغة مشروعه، وقدّم ملاحظاته ومرئياته مدعِّمًا لها بالأسانيد القانونية والتشريعات المقارنة، بغية الوصول إلى قانون يعالج الإشكالات القانونية في القانون الحالي، بل وليكون نموذجًا يحتذى به في هذا المجال.
كما يعتبر الحوار الاجتماعي مع الأطراف ذات العلاقة حول مستوى الطموحات والتطوير المطلوب لتعزيز العلاقة بين الأطراف في السلطنة وتحقيق المصلحة المشتركة من أولويات عمل الاتحاد خلال المرحلة المقبلة، ويرى الاتحاد ضرورة الانتقال إلى مستوى عالٍ للحوار الاجتماعي وفق النماذج الدولية الناجحة، وبما يتلاءم مع أولويات المرحلة الحالية والمقبلة، وذلك من خلال الانتقال بالحوار الاجتماعي من شكله الثلاثي بين أطراف الإنتاج الثلاثة إلى حوار اجتماعي اقتصادي وطني منظم وفق صلاحيات تشريعية يحددها القانون بحيث يتوخى الحوار الوطني المصلحة العامة ويكون قابلاً للتطبيق والتطوير وقياس الفاعلية.
ورغم كل التحديات والصعوبات يواصل الاتحاد العام مسيرته النضالية واضعًا نصب عينيه صورة واضحة من الخطط المستقبلية والاستراتيجيات التنفيذية، تصب في مجملها في رعاية مصالح عمال القطاع الخاص بالسلطنة وحماية حقوقهم وفق النظم والقوانيين المعمول بها في السلطنة.
وفي الأخير نتضرع إلى الله -عز وجل- أن يبارك جميع الجهود التي يبذلها العمال بمختلف الجهات على أرض السلطنة، وأن يكلأهم بعين رعايته وتوفيقه لكل ما فيه خدمة بلادنا الحبيبة وعاهلها المفدى قائد نهضة عمان المتجددة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه-، وأن يعيد علينا هذه المناسبة وعلى كافة عمال السلطنة بالخير واليمن والبركات!